ابن أبي الحديد

99

شرح نهج البلاغة

دخل عبد الوارث بن سعيد على مريض يعوده ، فقال له : ما نمت منذ أربعين ليله ، فقال : يا هذا ، أحصيت ليالي البلاء ، فهل أحصيت ليالي الرخاء ! بعضهم : وا عجباه لمن يفرح بالدنيا ، فإنما هي عقوبة ذنب ! ابن السماك : خف الله حتى كأنك لم تطعه قط ، وارجه حتى كأنك لم تعصه قط . بعضهم : العلماء أطباء هذا الخلق ، والدنيا داء هذا الخلق ، فإذا كان الطبيب يطلب الداء فمتى يبرئ غيره . قيل لمحمد بن واسع : فلان زاهد ، قال : وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها ؟ رئي عبد الله بن المبارك واقفا بين مقبرة ومزبلة ، فقيل له : ما أوقفك ؟ قال أنا بين كنزين من كنوز الدنيا فيهما عبرة : هذا كنز الأموال ، وهذا كنز الرجال . قيل لبعضهم : أتعبت نفسك ، فقال : راحتها أطلب . دخل الإسكندر مدينة فتحها ، فسأل عمن بقي من أولاد الملوك بها ، فقيل : رجل يسكن المقابر ، فدعا به ، فقال : ما دعاك إلى لزوم هذه المقابر ؟ فقال : أحببت أن أميز بين عظام الملوك ، وعظام عبيدهم ، فوجدتها سواء . فقال : هل لك أن تتبعني فأحيي شرفك وشرف آبائك ، إن كانت لك همة ! قال : همتي عظيمة ، قال : وما همتك ؟ قال : حياة لا موت معها ، وشباب لا هرم معه ، وغنى لا فقر معه ، وسرور لا مكروه معه ، فقال : ليس هذا عندي ، قال : فدعني التمسه ممن هو عنده . مات ابن لعمر بن ذر ، فقال : لقد شغلني الحزن لك يا بني عن الحزن عليك . كان يقال : من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها . ومن كلام عبد الله بن شداد : أرى دواعي الموت لا تقلع ، وأرى من مضى لا يرجع ،